سهيلة عبد الباعث الترجمان
341
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
باستمرار على نحو من الفيض ، فليست الأشياء التي تظهر في العالم سوى الممكنات ، وأفضل العوالم الممكنة هي التي تفيض عليها أنوار الذات الإلهية فتكسوها حلة الوجود « 1 » . ولما كان المقصود من الفيض هو إيجاد الخلق على الصورة التي بينّاها ، فما هو موقف ابن عربي من هذا الخلق والإيجاد ، هل هو خلق من عدم أم من وجود ؟ . إن ما يمكن قوله أن نظرية وحدة الوجود عنده تفصح عن نفسها في قولها بالفيوضات أنه لا خلق بمعنى الإيجاد من العدم ، وهذا ما يراه ، إذ يستحيل في اعتقاده أن يكون الوجود عن العدم ، أي العدم المحض ، وإنما أصل كل وجود وسبب كل موجود هو الفيض الإلهي المتصل اللانهائي وهو ما أطلق عليه اسم " الخلق الجديد " كما بينّا من قبل ، وذلك باستناده إلى قوله عز وجل : بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ « 2 » ، وهو في هذا الموقف قد حوّل نظرية تجدد الأعراض لدى الأشاعرة إلى تجدد الخلق مع الأنفاس وإن اختلفت الاتجاهات بينهما اختلافا بيّنا . ولهذا فإن الخلق بمعنى الموجود من العدم لا محل له في نظرية ابن عربي إذ أن الخالق عنده ذات مطلقة تظهر في كل آن في صورة ما لا يحصى من الموجودات . أو هي الاعتبارات التي تسمّى أعراضا أو ظواهر تتعاقب على هذا الجوهر أو الذات المطلقة الثابتة ، أو تخلق خلقا جديدا على حد قوله إذ يقول : " ولم يكن عندنا باتحاد الزمان انتقال ، وإنما كان إعدام وإيجاد من حيث لا يشعر أحد بذلك إلا من عرفه وهو قوله تعالى : بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ « 3 » " « 4 » . - تعقيب : لم تقتصر فكرة الخلق لدى ابن عربي على مصطلح الفيض فقط ، بل إنه أكثر من استخدام مصطلحات أخرى كالتجليات مثلا ، فقد تكون ذات دلالة أوسع وأقرب إلى معنى الخلق والإيجاد ، لأن كلمة فيض إن دلت على شيء عنده فإنها تدل على فيض
--> ( 1 ) قاسم ( محمود ) ، ابن عربي وليبنتز ، مكتبة القاهرة الحديثة ، مصر ، 1972 ، ص 180 . ( 2 ) سورة ق ، الآية : 15 ك . ( 3 ) نفس السورة السابقة ، ونفس الآية . ( 4 ) محمود ( عبد القادر ) ، مرجع سابق ، ص 507 .